اسماعيل بن محمد القونوي

136

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فيها إلى المعاني ولهذا قال وهو يستلزم الأول لكن ما ذكره بين واضح لأن الثاني عبارة عن الألفاظ الموضوعة لمعنى فتوقفه على العلم بالمعاني مقتضى تعريفه فما الحاجة إلى بيانه فالأولى أن يقال إن المعنى الثاني أخص من المعنى الأول بحسب المفهوم وإن تساويا صدقا فإن كل لفظ موضوع للمعنى علامة له ويرفعه من حضيض الجهل إلى منصة العرفان وأما الأول فلما لم يعتبر في مفهومه الوضع يكون أعم منه مفهوما دون الصدق كعموم الناطق من الإنسان مفهوما وتساويه ذاتا إذ لو كان الأول أعم بحسب الصدق يكون الثاني قاصرا عن استيعاب حق التعليم الذي به ينال علما يعين بالخلافة نقل عن الراغب أنه تعالى علم آدم عليه السّلام جميع الجزئيات وإن ظهر في بعض الأزمنة من بعض ذريته « 1 » ثم المراد بتعليم الأسماء كلها أسماء المسميات التي عرضهم على الملائكة وهي المتداولة فيما بين المخلوقين فلا وجه للإشكال بأنه لا بدّ من تخصيص التعليم وإلا لزم إحاطة علم آدم عليه السّلام بجميع ما يعلمه تعالى أو علمه بجميع شؤونه تعالى من الأزل إلى الأبد على أنه لا يلزم ذلك من تعليم الأسماء كلها إذ الغير المتناهي جزئيات المسميات وأما الأسماء فيجوز تناهيها إذ المراد أسماء الأجناس التي خلقها اللّه تعالى « 2 » كما صرح به في الكشاف دون أسماء الأشخاص المعينة أسماؤها إذ لا قدرة للبشر على إحاطتها مع عدم تعلق الغرض بعلم تلك الأسماء في الخلافة وأما كون علم آدم عليه السّلام أفضل من علم نبينا عليه السّلام من جهة الكثرة وعلم نبينا عليه السّلام أفضل من علمه من جهة كونه علم الدين ومعرفة اللّه تعالى خالصا عن علوم الدنيا كالعلم بالصناعات وأمثالها فمع كونه مدخولا في نفسه لا يناسب التعرض له في هذا المقام إذ المراد التنبيه على التفاوت بين آدم والملائكة في استحقاق الخلافة وعدمه وأما الثالث فأمر محدث أحدثه النحاة فلا يصح إرادته هنا لعدم توفية حق التعليم . قوله : ( والمعنى ) أراد به دفع اشكال كما ستعرفه ( أنه تعالى خلقه ) أي أوجده ( من قوله : والمعنى أنه تعالى خلقه من اجزاء مختلفة يعني أن معنى قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ

--> ( 1 ) فلا يرد عليه أنه كيف الحكم بأنه تعالى علم آدم الأسماء كلها ومعلوم أنه ما من زمن إلا وبنوه يضعون أسامي لمعان وأعيان ويدونون العلوم الجديدة والصناعات المخترعة فإن الظهور منهم لا ينافي أن يكون أبوهم عالما بها وفي الكشاف فإن قلت فما معنى تعليم أسماء المسميات قلت أراه الأجناس التي خلقها ثم علمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا وعلمه وأحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية انتهى انظر كيف خص المسميات بالأجناس التي خلقها وأشار بالأجناس إلى أن التعليم لا يتناول أسماء الأشخاص المعينة والأفراد المعهودة فإنه مع عدم الإحاطة لا يتعلق به غرض في الخلافة . ( 2 ) فإن قيل يلزم من كلام صاحب الكشاف تخصيص الأسماء بأسماء الممكنات قلنا لا بأس فيه لما عرفت مرارا أن المرام اظهار التفاوت بين آدم عليه السّلام والملائكة في استحقاق الخلافة وعدمه وهذا موقوف على تعليم أسماء الممكنات التي يدور فلك الخلافة على علم أسمائها وخواصها ومنافعها وأما علم أسماء اللّه تعالى وصفاته فلا تتوقف الخلافة عليه توقفها على تلك الأسماء وآدم والملائكة كلهم متساويون في علم أسمائه تعالى وصفاته العلية .